بيئة، الموسوعة البيئية

مجال حماية البيئة وحقوق الانسان

في ظل الوضع الراهن للنظام القانوني الدولي  في إن هناك حقا جديدا قد تم الاعتراف بميلاده  وصار من حقوق الإنسان الاساسية  وهو الحق في البيئة السليمة .

ويلاحظ إن هذا الحق يندرج في نطاق فئة الحقوق الحديثة  كالحق في الانتفاع بموارد التراث المشترك  والحق في السلام.

لقد اضحت البيئة محلا للاهتمام على المستويين الوطني والدولي  فالبيئة  -  باعتبارها تراثا مشتركا للإنسانية -  تستحق كل اهتمام ودراسة فقد صارت البيئة بمثابة المرض المزمن للمدنية المعاصرة ولحضارتها الصناعية والتقنية  واتخذ تلوث البيئة صورة مماثلة في كل مكان وفى كل شيء :  في الهواء  والماء  والبحار  والموارد الغذائية وغيرها. وترتيبا على ذلك  فقد اصبحت حماية البيئة والطبيعة والحياة اليومية للسكان امرا ضروريا .
وإزاء هذه التحديات  لم يتوان القانون الدولي العام عن البدء في سن قواعد دولية للتعامل مع البيئة .
وحرى بالذكر إن التصدي لمعرفة القواعد الدولية لحماية البيئة يصطدم بعقبتين  تتمثل الاولى في التطور المتلاحق والمذهل في اكتشاف إبعاد ومجالات جدية للمخاطر التي تواجه البيئة وسبل معالجتها. فبعد إن كان الاهتمام ينصب على التلوث وتدهور البيئة  اضحى هذا الاهتمام يشمل امورا اخرى كالمطر الحمضي  وتاكل طبقة الاوزون  وتغير المناخ والحفاظ على التنوع الحيوي والنفايات ... الخ .
إما العقبة الاخرى  فتتمثل في التعدد المقترن بالقواعد الدولية المتعلقة بالبيئة من حيث السريان  فهناك قواعد عالمية إقليمية  ومن حيث ادوات التكوين  ثمة اتفاقيات دولية وقرارات ملزمة  واخرى غير ملزمة من توصيات استرشادية  وبرامج العمل  وإعلانات المبادئ2 .
وتجدر الإشارة إلى إن الجهود التي تبذل في حماية البيئة وصيانتها في إطار التشريعات والقوانين الداخلية لا يمكن إن تؤتى اكلها  وذلك ما لم تقترن بجهود على صعيد اخر هو صعيد العلاقات الدولية  لان البيئة من المجالات التي يبدو فيها الارتباط وثيقا إلى اقصى مدى بين القانونين الداخلي والدولي .
وسوف يكون تناولي لهذا الموضوع الحيوي والمهم من خلال محاور ثلاثة  يخصص اولها لتعريف مفهومي البيئة والتلوث  بينما يخصص ثانيها لبيان دور التشريعات والاتفاقيات الدولية في حماية البيئة.. واخيرا يخصص الثالث لبيان ودراسة المسئولية الدولية عن الإضرار البيئية .
اولا المقصود بمفهوم البيئة  :
التعريف بمفهوم البيئة  :
لقد ظهر اصطلاح Ecology منذ القرن التاسع عشر  وذلك ليعبر عن ذلك الفرع من فروع العلم الذي يبحث في علاقة الكائن بالبيئة3. ويلاحظ إن المفهوم الدقيق لكلمة البيئة لا يزال غامضا للكثيرين  لاسيما وانه ليس هناك تعريف واحد محدد  يبين ماهية البيئة   فهناك العديد من محاولات تعريف البيئة  وتحديد مفهومها  فقد قيل انها مجموعة العناصر الطبيعية والعناصر التي تمارس فيها الحياة الإنسانية. وقيل كذلك انها كل مكونات الوسط الذي يتفاعل معه الإنسان مؤثرا ومتاثرا  او انها الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ويحصل منه على مقومات حياته من غذاء وكساء ودواء وماوى ويمارس فيه علاقاته مع اقرانه من بنى البشر 4 .
ايضا تعرف البيئة بانها مجموعة من العوامل الطبيعية والكيميائية والحيوية والعوامل الاجتماعية التي لها تاثير مباشر او غير مباشر  حال او مؤجل  على الكائنات الحية والانشطة الإنسانية .
واخيرا  يعرف بعض الفقه البيئة اصطلاحا بانها المحيط المادي الذي يعيش فيه الإنسان بما يشمل من ماء وهواء وفضاء وتربة وكائنات حية  ومنشات اقامها لإشباع حاجاته5 .
ويعرف علم البيئة الحديثةالايكولوجي ecology البيئة بانها الوسط او المجال المكاني الذي يعيش فيه الإنسان  بما يضم من ظاهرات طبيعية وبشرية يتاثر بها ويؤثر فيها .
وبعبارة اخرى  فالبيئة هي كل ما تخبرنا به حاسة السمع والبصر والشم والتذوق واللمس  سواء اكان هذا من خلق الله سبحانه وتعالىالظاهرة الطبيعية ام من صنع الإنسانالظاهرة البشرية. وقد اوجز إعلان مؤتمر البيئة البشرية  الذي عقد في استوكهلم عام1972  مفهوم البيئة بانها  كل شيء يحيط بالإنسان6 .
التعريف بمفهوم التلوث  :
لم تتفق الكتابات التي تعرضت لمفهوم التلوث على تحديد دقيق ومحدد للمقصود به .
فالبعض يعرف التلوث بانه وجود اي مادة او طاقة في البيئة الطبيعية يغير كيفيتها او كميتها  ا وفى غير مكانها او زمانها  بما من شانه الإضرار بالكائنات الحية او الإنسان في امن هاو صحته او راحته7 .
وتجدر الإشارة إلى إن من التعريفات الشائعة التي تلقى قبولا لدى جانب كبير من الفقه التعريف الذي اقرته منظمة الامن والتنمية الاقتصادية
Organization de cooperation et dveloppement economique ocde
والذي يقرر إن التلوث هو قيام الإنسان مباشرة او بطريق غير مباشر بإضافة مواد او طاقة إلى البيئة  تترتب عليها اثارا ضارة يمكن إن تعرض صحة الإنسان للخطر  او تمس بالموارد البيولوجية او الانظمة البيئية على نحو يؤدى إلى التاثير على اوجه الاستخدام المشروع للبيئة .
ويلاحظ إن مجلس اوروبا قد اقر في عام1968 تعريفا لتلوث الهواء يقرر انه  يوجد تلوث للهواء حينما يوجد به مادة غريبة  او يوجد خلل كبير في نسبة مكونات على النحو الذي يمكن إن يؤدى إلى اثار ضارة او إيذاء او تضرر .
كذلك   فقد احتوت إحدى وثائق مؤتمر استكهولم للبيئة على تعريف واضح وبسيط للتلوث فحواه تؤدى النشاطات الإنسانية بطريقة حتمية إلى إضافة مواد ومصادر للطاقة إلى البيئة  على نحو يتزايد يوما بعد يوم  وحيثما تؤدى تلك المواد او تلك الطاقة إلى تعريض صحة الإنسان ورفاهيته وموارده او يحتمل إن تؤدى إلى ذلك مباشرة او بطريقة غير مباشرة  فاننا نكون بصدد تلوث .
ويذهب بعض الفقه  وبحق   إلى انه يتعين انه يكون تعريف التلوث مرنا وعاما  بحيث يمكن إن يسمح مستقبلا باستيعاب  إشكال وصور جديدة من التلوث  قد يكشف عنها التطور العلمي والتقني الهائل والمستمر .
ثانيا -  دور التشريعات والاتفاقيات الدولية في حماية البيئة  :
لا شك في إن المحافظة على البيئة وصيانتها مسئولية المجتمع الدولي باسره  وان اي خلل فيها تنعكس اثاره سلبا على الجميع دون تفرقة. والامثلة على ذلك كثيرة  فيما حدث من تسرب اشعاعى من مفاعل تشير نوبل بالاتحاد السوفيتي السابق قد تاثر به المجتمع الدولي ككل .
لقد باتت بيئة الإنسان مهددة بالإخطار التي تحدق بها  وعلى راسها إخطار التلوث  تلك الظاهرة الخطيرة التي باتت تهدد البيئة البحرية  والهواء ومياه الانهار والبحيرات .
ولذلك  فقد بدات الدول تدرك وتعي تماما الإخطار المحدقة بالبيئة  وبادرت إلى العمل على دعم قوانينها الداخلية  او بعبارة اخرى -  تشريعاتها الوطنية في هذه المجالات  فضلا عن اعتماد البرامج والخطط اللازمة لحماية البيئة وصيانتها في نطاق اختصاصها الاقليمى  ووضع بعض القوانين واللوائح الجديدة في مجال البيئة .
وجدير بالذكر إن الجهود الرامية إلى حماية البيئة على صعيد الاختصاص الداخلي  وفى إطار التشريعات والقوانين الوطنية للدول  لا يمكن إن تؤتى ثمارها  ما لم تقترن بجهود على صعيد العلاقات الدولية .
وترتيبا على ذلك  فان إيه جهود ترمى إلى حماية البيئة من قبل الدول اعضاء المجتمع الدولي سيكون اثرها محدود للغاية  ما لم تقترن بجهود دولية لدرء الإخطار التي تهدد البيئة على المستوى الدولي .

حماية القانون الدولي للحق في البيئة في ضوء الاتفاقيات الدولية  :
le droit al`environment
يلاحظ إن الاتفاقيات والوثائق الدولية قد اقرت صراحة بحق الإنسان في البيئة  وذلك في إشارات واضحة لا لبس فيها تقرر للإنسان بوصفه كذلك حقا في بيئة سليمة خالية مما يضر به .
ومن اهم النماذج التي تقرر ذلك  الاتفاقية الدولية بشان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام1966  والتي جاء بمادتها الثانية عشرة  :
تقر الدول الإطراف في الاتفاقية الحالية بحق كل فرد في التمتع باعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية .
تشمل الخطوات التي تتخذها الدول الإطراف في الاتفاقية الحالية للوصول إلى تحقيق كلى لهذا الحق ما هو ضروري من اجل  :
ا‌العمل على تخفيض نسبة الوفيات في المواليد وفى وفيات الاطفال من اجل التنمية الصحية للطفل .
ب‌تحسين شتى الجوانب البيئية والصحية .
The improvement of all aspects of environmental and industrial hygiene
ج. الوقاية من الإمراض المعدية والمتفشية والمهنية ومعالجتها وحصرها .
د .خلق ظروف من شانها إن تؤمن الخدمات الطبية والعناية الطبية في حالة المرض .
ويبين بكل وضوح وجلاء من هذا النص القانوني الملزم مدى الربط الواضح بين صحة الإنسان والبيئة  وإلزام الدول بالعمل على تحسين البيئة  على نحو يهيئ للإنسان التمتع باعلى مستوى من الصحة البدنية والعقلية  وهو ما يتضمن اعترافا صريحا بحق الإنسان في بيئة سليمة .
ايضا على الصعيد الدولي  فقد نص الإعلان الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في 11ديسمبر1969ن حول التقدم والإنماء في الميدان الاجتماعي  في المادة13منه على  انه يجب إن يستهدف التقدم والإنماء الاجتماعي التحقيق التدريجي للاهداف الرئيسية  ومنها حماية البيئة البشرية وتحسينها .
ثم جاء بعد ذلك مؤتمر الامم المتحدة الاول حول  البيئة الإنسانية  الذي عقد في استكهولم بالسويد عام1972  وقد طرح في هذا المؤتمر تساؤل رئيسي  فحواة :  هل للإنسان حق في بيئة سليمة ومتوازنة؟او -بعبارة ادق -  هل اصبحت البيئة حقا من حقوق الإنسان؟ لقد تكفل إعلان استكهولم 8 بالإجابة على هذا التساؤل المهم وذلك في اول مبدا من مبادئه  إذ اكد إن  للإنسان حقا اساسيا في الحرية والمساواة  وظروف حياة ملائمة في بيئة يسمح له مستواها بالعيش في كرامة ورفاهية  وان على الإنسان واجبا مقدسا لحماية وتحسين بيئته من اجل اجيال الحاضر والمستقبل .
وجدير بالذكر إن وضع ذلك المبدا في صدر المبدا الاول من مبادئ الإعلان امر له دلالته  فهو يفصح عن النظرة التي نظرت بها الوفود إلى حق الإنسان في بيئة سليمة متوازنة لصالح اجيال الحاضر والمستقبل  والارتقاء بذلك الحق ليوضع في مصاف حقوق الإنسان الاساسية في الحرية والمساواة  والتحرر من سياسات التمييز والفصل والتفرقة العنصرية  وكافة إشكال السيطرة الاجنبية والاستعمارية .
وقد جاء في الكلمة الافتتاحية التي القاها سكرتير عام المؤتمر قوله :   إننا نجتمع اليوم بهدف تاكيد مسؤوليتنا المشتركة نحو مشكلة تتعلق بالبيئة المحيطة بالكرة الارضية التي نتحمل جميعا ما قد يصيبها  .
وقد انتهى المؤتمر إلى قرار مجموعة من المبادئ العامة والتوصيات التي تشكل في مجموعها خطة عمل مستهدفة  يتعين على الدول والمنظمات الدولية المتخصصة إن تتبعها  وتاتى في مقدمتها ضرورة العمل على حماية البيئة من التلوث والتعاون الدولي لتحقيق هذا الهدف .
يبدو جليا ولاول وهلة  لمن يتفحص الإعلان الصادر عن هذا المؤتمر  خاصة ما جاء بفقراته الاولى  ان حماية البيئة والمحافظة عليها من خطر التلوث اصبحت من المسائل التي تهم البشرية كلها  والتي لابد من بذل كل الجهود الدولية الممكنة لتفادى الإخطار المحدقة بها  والسيطرة على ما يحيط بها من عوامل التدهور والفناء .
وقد المح الإعلان إلى إن :  الإنسان هو ثمرة البيئة وهو مبدعها في نفس الوقت  وبفضل التطور السريع والحاسم في العلم والتكنولوجيا  فقد اصبح الإنسان قادرا على تغيير بيئته بوسائل متعددة لم يسبق لها مثيل  .
وطالب المؤتمر الحكومات والشعوب بتوحيد جهودها للمحافظة على البيئة الإنسانية وتحسين مستواها لمصلحة الجنس البشرى والاجيال القادمة .
وتجدر الإشارة إلى إن المبادئ والتوصيات التي تضمنها هذا الإعلان9 قد جاءت مؤكدة لهذا الاتجاه.واوضحت بصفة خاصة ضرورة التزام الدول بحماية البيئة الإنسانية والمحافظة عليها من خطر التلوث  وان هذا الالتزام يجب إن يترجم إلى واجبين هما  :
واجب اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع حدوث تلوث يصيب البيئة الإنسانية .
وواجب التعاون مع الدول الاخرى والمنظمات المتخصصة في هذا المجال  مع تاكيد المسئولية الدولية عن إيه إضرار قد تصيب البيئة الإنسانية  نتيجة للانشطة التي تقوم بها الدولة او تحدث على إقليمها او تحت إشرافها .
ايضا فقد نص الميثاق الافريقي لحقوق الإنسان   الصادر في نيروبي فى18يونيو1981 في المادة24  على إن لكل الشعوب الحق في بيئة مرضية وشاملة وملائمة لتنميتها .
وتضيف المادة الاولى من الميثاق العالمي للطبيعة  الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة فى28اكتوبر عام1982  :    للإنسان حق اساسي في الحرية والمساواة وفى ظروف معيشة مرضية وفى بيئة محيطة تسمح له بالحياة بكرامة ورفاهية   وعلى الإنسان واجب مقدس في حماية وتحسين البيئة للاجيال الحاضرة والمستقبلة  .
كذلك عقد مؤتمر الامم المتحدة الثاني حول  البيئة والتنمية  في مدينة ريو دى جانيرو بالبرازيل عام1992  متخذا شعارا له   البيئة والتنمية    وقد اعرب السيد/ موريس سترونج M.strong الامين العام للمؤتمر 10  عن الامل في إن يكون المؤتمر نقطة تحول في السياسة البيئية الدولية  وخطوة جادة نحو إنقاذ كوكب الارض وصيانة بيئته من التدهور والاستنزاف غير الرشيد والجائر لموارده  وذلك تاكيدا لحق جميع المخلوقات البشرية في حياة سليمة ومثمرة بالانسجام مع الطبيعة .
وحرى بالذكر إن المؤتمر المذكور قد اسفر عن إبرام عدة اتفاقيات مهمة  منها اتفاقية تغيير المناخ  واتفاقية التنوع الحيوي او البيولوجي. كما دعا المؤتمر إلى إبرام اتفاقية دولية لمكافحة ظاهرة التصحر وحماية غابات العالم .
وتهدف اتفاقية التنوع الحيوي إلى تحقيق مقصدين  :
الاول  :  ويتمثل في صيانة التنوع البيولوجي  باستخدام عناصره على نحو قابل للاستمرار .
الثاني  :  ويتمثل في التقاسم العادل والمنصف للمنافع الناشئة عن استخدام الموارد الجينية ونقل التكنولوجيا ذات الصلة .
وقد عقد المؤتمر الدولي للسكان بالقاهرة في الفترة من5الى13 سبتمبر عام1994  تحت رعاية الامم المتحدة. وقد تمخض عن تبنى برنامج عمل احتوى على خمسة عشر مبدا وعدد من التوصيات  تشكل ميثاقا وخطة عمل مستقبلية لعلاج قضايا السكان والتنمية الاقتصادية في إطار شامل .
وحرى بالذكر انه قد كان من المتوقع إن يتطرق المؤتمر إلى تاكيد حق الإنسان في البيئة السليمة المتوازنة  بحسبان إن تلك البيئة هي المنطلق إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة للسكان. ولكن جاءت إعمال المؤتمر خلوا من ذلك التاكيد الصريح . ومع ذلك  فان هناك مبداين من مجموعة المبادئ التي تبناها المؤتمر  والواردة في الفصل الثاني  يمكن تفسيرهما على إنهما يشيران ضمنا إلى حق الإنسان في البيئة السليمة المتوازنة .
المبدا الاول  :  حيث جاء في عجزه إن  لكل إنسان الحق في الحياة والحرية والامان على شخصه   وتلك إشارة إلى الحق في البيئة .
المبدا الثاني :  حيث جاء به   يقع البشر في صميم الاهتمامات المتعلقة بالتنمية المستدامة  ويحق لهم التمتع بحياة صحية ومنتجة في وئام مع الطبيعة. والناس هم اهم واقيم مورد لاي امة .
وعلى البلدان إن تضمن إتاحة الفرصة لكل الإفراد لكي يستفيدوا إلى اقصى حد من إمكاناتهم  ولهم الحق في مستوى معيشي لائق لانفسهم ولاسرهم  بما في ذلك ما يكفى من الغذاء والكساء والإسكان والمياه والمرافق الصحية  .
إذن يبين بكل وضوح وجلاء من عبارات ذلك المبدا انه يجب ضمان وكفالة تمتع الإفراد بحياة صحية ومنتجة  وتوفير ما يكفيهم  من الغذاء والكساء والمياه والمرافق الصحية ومواردها الطبيعية .
ومما يدل على ذلك إن صياغة المبدا قد حرصت على الإشارة صراحة إلى إن تلك الامور يجب إن تتم  في وئام مع الطبيعة   وهذا يعنى صراحة إن الحفاظ على البيئة وصيانة مواردها هما المقدمة الاولى لكفالة الحياة الصحية والمنتجة للإفراد .
ثالثا -  المسئولية الدولية عن الإضرار البيئية  :
تعد المسئولية القانونية عن الإضرار جزءا اساسيا في كل نظام قانوني. وفى نطاق قانون حماية البيئة  اكدت العديد من الإعمال القانونية مبدا المسئولية عن الإضرار. فالمادة235 فقرة اولى من قانون البحار لعام1982 نصت صراحة على إن  الدولة مسئولة عن الوفاء بالتزاماتها الدولية المتعلقة بحماية البيئة البحرية والحفاظ عليها  وهى مسئولية وفقا للقانون الدولي  .
ومن قبل  قررت المادة232 من القانون نفسه  تكون الدولة مسئولة عن الضرر او الخسارة المنسوبة إليها والناشئة عن تدابير اتخذتها  وذلك في حالة ما إذا كانت مثل هذه التدابير غير مشروعة  او تتجاوز المطلوب بصورة معقولة  .
وجدير بالذكر انه إذا كانت تلك النصوص تتحدث عن المسئولية الدولية  فان باقي النصوص لم تغفل مبدا المسئولية المدنية في الانظمة الداخلية  فقد نصت المادة229 صراحة على انه   ليس في هذه الاتفاقية ما يؤثر على رفع دعوى مدنية في صدد اي ادعاء بوقوع خسارة او ضرر نتيجة لتلوث البيئة البحرية  . ويبين من هذا النص انه يوضح مبدا المسئولية الدولية عن الإضرار البيئية في النطاق الوطني لكل دولة  ودون إن يخل ذلك بإمكان تحريك المسئولية الدولية ضد الدولة التي ارتكبت النشاط الضار  إذا توافرت الشروط المعروفة في القانون الدولي .
وتجدر الإشارة إلى إن القضاء الدولي لم يتوان بدوره عن تدعيم وتعزيز مبدا المسئولية عن الإضرار البيئية. ففي قضية مصنع صهر المعادن في مدينة ترابل  trail smelter بكندا   وبشان طلب الولايات المتحدة الامريكية التعويض عن الخسائر التي لحقت بالاشخاص والممتلكات في ولاية واشنطن من جراء الادخنة السامة التي بنفثها المصنع في الهواء الجوى  وتنقله الرياح عبر الحدود  قررت محكمة التحكيم التي شكلتها الدولتان  بحكمها الصادر فى11 مارس1941  انه  وفقا لمبادئ القانون الدولي  ليس لدولة الحق في إن تستعمل او تسمح بانشطة على إقليمها على نحو يسبب الضرر  عن طريق الادخنة  لإقليم دولة اخرى او للممتلكات او للاشخاص فيه  عندما تكون الحالة ذات نتائج خطيرة ويثبت الضرر بادلة واضحة ومقنعة . واكدت المحكمة مسئولية كندا عن الإضرار التي احدثتها انشطة المصنع الكائن باراضيها. وهو تاكيد لما سبق إن قرره الحكم الصادر في تلك القضية بتاريخ16ابريل1938  والزم كندا بدفع مبلغ 78الف دولار كتعويض .
ايضا من الإعمال القانونية التي ارست مبدا المسئولية عن الإضرار البيئية  المبدا 21 من مجموعة المبادئ التي اعتمدها مؤتمر استكهولم حول البيئة عام1972, والذي جاء ب هان  على الدولة مسئولية ضمان إن الانشطة التي تتم داخل ولايتها او تحت إشرافها لا تسبب ضررا لبيئة الدول الاخرى او للمناطق فيما وراء حدود ولايتها الوطنية  .
كذلك وبغية تدعيم مبدا المسئولية الدولية عن الإضرار البيئية  فقد تطرقت لجنة القانون الدولي التابعة للامم المتحدة إلى موضوع المسئولية عن الإضرار البيئية  وذلك بمناسبة مناقشتها للمسئولية الدولية بصفة عامة .
فقد ورد باحد تقاريرها إن القانون الدولي المعاصر قد وصل إلى الإدانة النهائية  للتصرفات التي تعرض للخطر  بنحو جسيم  الحفاظ على البيئة الإنسانية وصيانتها. إن الجماعة الدولية بكليتها  وليس فقط هذا او ذلك ممن يكونوها  تقدر الان  فصاعدا  إن مثل تلك التصرفات او الافعال تخالف المبادئ التي اصبحت راسخة بعمق في الضمير العالمي  وصارت قواعد جوهرية للقانون الدولي عموما .
نخلص من ذلك إلى انم بدا المسئولية الدولية عن الإضرار البيئية تتحمله الدولة  وذلك وفقا لما تضمنته الاتفاقيات الدولية السالف الإشارة إليها .

تاريخ آخر تحديث: السبت, 21 كانون2/يناير 2012 11:31